ابو القاسم عبد الكريم القشيري
402
لطائف الإشارات
دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا في الآية إشارة إلى أنّ من يفرده بالولاية فلا يقتفى غيره ولا يخاف غيره . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 51 ] ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ( 51 ) أكذب المنجمين والأطباء الذين يتكلمون في الهيئات والطبائع بقوله : « ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ » : وبيّن أن ما يقولونه من إيجاب الطبائع لهذه الكائنات لا أصل له في التحقيق . « وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً » : أي لم أجعل للذين يضلّون الناس عن دينهم بشبههم في القول بالطبائع حجة ، ولم أعطهم لتصحيح ما يقولونه برهانا . ويقال إذا تقاصرت علوم الخلق عن العلم بأنفسهم فكيف تحيط علومهم بحقائق الصمدية ، واستحقاقه لنعونه إلا بمقدار ما يخصّهم به من التعريف على ما يليق برتبة كل أحد بما جعله له أهلا ؟ ويقال أخبر أنّ علومهم تتقاصر عن الإحاطة بجميع أوصافهم وجميع أحوالهم وعن كلّ ما في الكون ، ولا سبيل لهم إلى ذلك ؛ ولا حاجة بهم إلى الوقوف على ما قصرت علومهم عنه ، إذ لا يتعلّق بذلك شئ من الأمور الدينية . فالإشارة في هذا أن يصرفوا عنايتهم إلى طلب العلم باللّه وبصفاته وبأحكامه ، فإنه لا بدّ لهم - بحكم الديانة - من التحقق بها ؛ إذ الواجب على العابد معرفة معبوده بما يزيل التردد عن قلبه في تفاصيل مسائل الصفات والأحكام « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 52 ] وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً ( 52 )
--> ( 1 ) في هذا أبلغ رد على من يتهمون الصوفية بمجافاتهم للعلوم ، وكيف يجافونها وطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ؟